انشقاقات داخلية:
لماذا تزايدت الاستقالات داخل حركة النهضة في تونس؟

انشقاقات داخلية:

لماذا تزايدت الاستقالات داخل حركة النهضة في تونس؟



أعلن 113 عضواً من أعضاء حركة النهضة استقالتهم، بشكل جماعي من عضوية الحركة في 25 سبتمبر الجاري، ومن بينهم قيادات بارزة من قيادات الصف الأول للحركة (سمير ديلو القيادي بالحركة، عبداللطيف المكي وزير الصحة السابق، محمد بن سالم الوزير الأسبق للفلاحة، معز رحومة، آمال عزوز..)، هذه الاستقالات الجماعية ليست الأولى في مرحلة ما بعد 25 يوليو، إذ قدم عدد من قيادات النهضة في أواخر يوليو الماضي استقالاتهم الجماعية من الحركة عقب تقديم مجموعة من شباب أعضاء الحركة عريضة وقّعها أكثر من 130 شاباً، بينهم خمسة نواب في البرلمان، وأعضاء المكتب التنفيذي، وأعضاء مجلس شورى الحركة، وأعضاء مكاتب مركزية ومحلية، وأعضاء مجالس بلدية.

عوامل مترابطة

وقد جاء تقديم هذه الاستقالات الجماعية عقب انتهاء أعمال الدورة الثالثة والخمسين لمجلس شورى النهضة، في 24 سبتمبر الجاري، والتي تم عقدها عن بُعد بحضور أمين الحركة “راشد الغنوشي”. وفي هذا الإطار يمكن تفسير استمرار حدة الانشقاقات والخلافات الداخلية بحركة النهضة، في إطار العوامل التالية:

1- تزايد النزعة السلطوية لدى “راشد الغنوشي”، حيث أعلن الأعضاء المستقيلون أن الأمين العام للحركة “راشد الغنوشي” يمارس أقصى درجات الدكتاتورية في اتخاذ وصنع القرارات المتعلقة بوضع سياسات الحركة ومواقفها تجاه الأوضاع السياسية داخل البلاد، في ظل سيطرته وعدد من القادة الكبار على عملية اتخاذ القرارات، ومن ذلك رفضه الاستجابة لمطالب أعضاء الحركة بدءاً من عدم الترشح لرئاسة منصب رئيس البرلمان تجنباً لتغذية الاصطفاف الحزبي ضد حركة النهضة وما نتج عن ذلك من تصاعد الخلافات والمشكلات بين الكتل النيابية داخل البرلمان وانحياز “الغنوشي” لأعضاء كتلته النيابية –بالطبع- والكتل النيابية المتحالفة معها لحزبي ائتلاف الكرامة وقلب تونس، وانعكاس ذلك سلباً على الفشل في إدارة البرلمان، وكذلك تردي الأداء الحكومي نتيجة لذلك، بالإضافة إلى إصرار “الغنوشي” على البقاء في منصبه وعدم إتاحة الفرصة أمام قيادات جديدة لتولي منصب الأمين العام للحركة، رافضاً بذلك بعض الدعوات الداخلية لتنحيه عن منصب أمانة الحركة، وتأجيله المستمر لعقد المؤتمر السنوي للحركة ضماناً لاستمراره في قيادة الحركة، الأمر الذي ساهم في مزيد من الانشقاقات والخلافات الداخلية.

2- تراجع وضع وصورة الحركة لدى الرأي العام التونسي، حيث أرجع الأعضاء المستقيلون أسباب استقالاتهم الجماعية إلى تدهور وضع الحركة وصورتها التي ساءت في أذهان الشعب التونسي بسبب السياسات والمواقف الخاطئة التي اتخذها الأمين العالم للحركة “الغنوشي” ومستشاروه خلال السنوات الأخيرة والتي أدت إلى نتائج عكسية ألحقت ضرراً بالحركة وأعضائها، الأمر الذي ساهم في فقدان الحركة قواعدَها الشعبية داخل البلاد، وانعكس ذلك جلياً في تزايد حدة الانتقادات للحركة والهجوم على المقرات التابعة لها بعدد من المحافظات والمدن التونسية في شهر يوليو الماضي تعبيراً عن عدم الرضا الشعبي عن بقاء النهضة في صدارة المشهد السياسي وتحميلها مسؤولية ما تمر به البلاد من أزمات سياسية واقتصادية وصحية متفاقمة، وانعكس ذلك في أحدث استطلاعات الرأي العام التونسي التي أجرتها مؤسسة “سيجما كونساي” لاستطلاعات الرأي في سبتمبر الجاري، والذي أظهر تراجع حركة النهضة إلى المرتبة الثالثة، وفي المقابل تزايدت شعبية رئيس الدولة “قيس سعيد” بعد تمديده الإجراءات الاستثنائية، وتضييق الخناق على حركة النهضة.

3- فشل إعادة هيكلة الحركة من الداخل، يمكن كذلك تفسير تزايد الاستقالات الجماعية لأعضاء حركة النهضة في إطار إخفاق الإجراءات التي اتخذها الأمين العام للحركة “راشد الغنوشي” خلال الفترة الأخيرة، ولا سيما بعد إعلان الرئيس “قيس سعيد” الإجراءات الاستثنائية في البلاد، ومن ذلك محاولته إصلاح وحل المشكلات الداخلية بعد 25 يوليو الماضي، ومن ذلك إصداره قراراً في أغسطس الماضي بحل المكتب التنفيذي للحركة تحت مسمى إعادة هيكلته بما يتماشى مع المتغيرات السياسية الراهنة التي تشهدها البلاد؛ إلا أن رفض “الغنوشي” إجراء إصلاحات جذرية داخل الحركة ساهم في تزايد المشكلات الداخلية.

4- تزايد الضغوط من قبل الأحزاب والقوى السياسية المعارضة، تزايدت الضغوط ضد حركة النهضة خلال الفترة الأخيرة من قبل الأحزاب والقوي السياسية، ومن المؤشرات الدالة على ذلك أنه رغم قرار الرئيس “سعيد” باستمرار تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن كافة أعضائه؛ إلا أن الأحزاب السياسية المعارضة لحركة النهضة وخاصة تلك التي لها تمثيل داخل البرلمان (كتلة الإصلاح 14 عضواً – الحزب الدّستوري الحر 16 عضواً – تحيا تونس 10 أعضاء – نواب مستقلون..)، تُواصل تجميع توقيعات أعضاء البرلمان لتقديم لائحة جديدة لسحب الثقة من رئيس البرلمان “راشد الغنوشي” ونائبته “سميرة الشواشي”، لإقالتهما من منصبيهما، حيث يتطلب ذلك الحصول على توقيعات 109 أعضاء من أعضاء البرلمان، وذلك بسبب سوء إدارة البرلمان، مما أدى إلى قيام الرئيس “سعيد” بتجميد عمله ورفع الحصانة عن كافة أعضائه.

5- تكوين تحالفات غير مستقرة مع أحزاب سياسية، كما ساهمت سياسة التحالفات السياسية الفاشلة في زيادة غضب الأعضاء داخل الحركة وقواعدها الشعبية، واتهام قادة الحركة بازدواجية الخطاب السياسي، وتبني قيم ومبادئ شكلية لا تعبر عن التوجهات الأيديولوجية للحركة. ففي حين كانت الحركة تهاجم حزب “قلب تونس” ورئيسه “نبيل القروي” قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة بسبب تورطه في قضايا فساد مالي وإداري، ووجهت أنصارها لانتخاب الرئيس “قيس سعيد” رئيساً للبلاد؛ إلا أن الحركة بعد الانتخابات البرلمانية لجأت للتحالف مع حزب “قلب تونس” بشكل أثار حفيظة أنصارها ومؤيديها، وشكّلت معها حزاماً برلمانياً داعماً للحكومة المقالة السابقة برئاسة “هشام المشيشي” وتوظيف ذلك التحالف للتصعيد في مواجهة رئيس الدولة “قيس سعيد”، الأمر الذي ساهم في تفاقم الأزمة السياسية.

6- التلويح بالاستقواء بالخارج لمواجهة الانتقادات الداخلية، حيث يُعتبر من أهم الأسباب التي ساهمت في تزايد ظاهرة الاستقالات الجماعية داخل حركة النهضة، لجوء قيادات الحركة إلى بعض القوى الإقليمية والدولية لدعمها سياسياً في ظل ما تتعرض له من انتقادات ومعارضة داخلية وفشل مخططاتها وسياساتها للعودة مرة أخرى إلى المشهد السياسي التونسي. وكان من أبرز المعارضين لاستقواء النهضة بالخارج “الاتحاد التونسي العام للشغل”، وذلك عقب مشاركة النائب الإخواني عن حركة النهضة “فتحي العيادي” وعضو حزب “قلب تونس” “أسامة الخليفي” في أعمال الاتحاد البرلماني الدولي بعد حصولهما على تفويض من رئيس البرلمان “راشد الغنوشي” للمشاركة في أعمال هذا الاتحاد، وذلك تعبيراً عن رفضهم قرارات الرئيس “سعيد” الاستثنائية بشأن تجميد أعمال البرلمان، وكذلك اجتماع قادة الحركة مع وفد الكونجرس الأمريكي الذي زار البلاد مؤخراً بمقر السفارة الأمريكية بتونس، وهو ما أكد على حقيقة استقواء الحركة بالقوى الدولية لحماية مصالحها الحزبية الضيقة على حساب المصالح الوطنية للبلاد.

تفكك متزايد

خلاصة القول، إن تزايد الاستقالات الجماعية لأعضاء حركة النهضة من شأنها زيادة عزلتها السياسية والحزبية والشعبية داخل البلاد، وهو ما يرجح اتجاه الحركة نحو مزيد من التفكك والانشقاق، مع عدم استبعاد لجوء الأعضاء المستقيلين نحو تأسيس حزب سياسي جديد يخرج من عباءة النهضة، ولكن بأفكار وتوجهات سياسية وأيديولوجية جديدة تتماشى مع المتغيرات السياسية الراهنة.